محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
857
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
بعد الهجرة ؛ إذ قال قوم : لم يكن بعث السرية صوابا ؛ إذ قد فتحوا لسان الخصوم علينا بقطع الطريق أوّلا والقتال في الشهر الحرام ثانيا والقتل والأسر والغنيمة ثالثا . وكان القوم ينسبون النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلى الصبوة ويقولون : إنّه صبا عن دين آبائه ؛ والصابي في القبح عندهم كالملحد في القبح عندنا . قالوا : بفعله هذا يتبيّن لنا أنّه الصابي المجترئ بالقتل وإن كان في الشهر الحرام ، المستحلّ للمال وإن كان للأيامى والأيتام ؛ فأجابهم اللّه تعالى إنّ القتال في الشهر الحرام وإن كان كبيرا فأفعالكم أكبر والفتنة أكبر من القتل ، وإخراج أهل المسجد من المسجد أكبر من القتل ؛ فنعاملكم بما عاملتمونا ونفتنكم في الدين كما فتنتم المؤمنين ؛ والاعتراض على حركات النبيّ من المنافقين مصدر النفاق ومنشأ الشقاق . فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ومن لم يكن له كمال لم يكن له مبدأ على حال ، ليس لهم دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ، وذلك من حيث القول ، وحبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ، وذلك من حيث الفعل . وسرّ آخر : الشهر الحرام والمسجد الحرام إنّما صارا حراما بحرمة المؤمن ، والمؤمن حرام دمه وماله وعرضه ، وحرمة المؤمن أعظم من حرمة زمان أو حرمة مكان ؛ فإنّ الشهر الحرام والمسجد الحرام يوازيان شخصين لهما حرمة عند اللّه فوق حرمة الحرمين ، والتعرّض لدينه بالصدّ عن سبيل اللّه ، ولماله بالسلب والاستحلال ، ولدمه بالقتل والإهلاك ، أكبر عند اللّه ؛ والفتنة في الدين بصدّ الناس عن سبيل المؤمنين أكبر من القتل ؛ فإنّ القتل إهلاك شخص ، والفتنة إهلاك أشخاص ؛ وعادة الناس في كلّ زمان أنّهم يحترمون البقاع أكثر من احترامهم الرجال ، ويحترمون الأشهر الحرم أكثر من احترامهم الأشخاص ؛ فإنّهم لم يروا فضل اللّه فيهم ولم يفضلوهم بالنوع على أنفسهم ، وكذلك احترامهم للأموات أكثر من احترام الأحياء ، وذلك لمناسبة في طباعهم بين الجمادات المكانية وبين جمود طباعهم ، وبين الاستحالات الزمانية وبين استحالة طباعهم ، وبين الأموات الشخصية وبين موت نفوسهم ؛ وكلّ شيء يحنّ إلى شكله ويستأنس بمثله ( 354 آ ) ولو كانت طباعهم ونفوسهم وعقولهم على قوام الدين لكان احترامهم الأحياء أكثر من احترام الأموات ، وتعظيمهم الرجل الحرام أكثر من تعظيمهم الشهر الحرام والبيت الحرام ؛ وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله -